من البحر إلى المدارس.. كيف توسّع تركيا نفوذها داخل سوريا؟

يتخذ الحضور التركي في سوريا مسارات متعددة، تشمل التعاون العسكري والتعليمي، في ظل مشاريع تستهدف تطوير قدرات القوات البحرية السورية، إلى جانب إنشاء مؤسسات تعليمية تعتمد المنهج التركي.
وتعكس هذه الخطوات توسع مجالات التعاون بين أنقرة ودمشق، مع احتمال أن تسهم في بناء روابط طويلة الأمد بين المؤسسات السورية ونظيراتها التركية، سواء في المجالات الدفاعية أو التعليمية.
تطوير القوات البحرية السورية
أعلنت وزارة الدفاع التركية، في 23 تشرين الأول 2026، برنامجاً لتطوير القوات البحرية السورية، يتضمن صيانة القطع البحرية وإصلاحها وتحديثها، وبناء قطع جديدة، إلى جانب تدريب الكوادر وتطوير البنية التحتية للموانئ.
وجاء الإعلان عقب زيارة وفد من كبار مسؤولي البحرية التركية وممثلين عن شركة «ASFAT» التابعة لوزارة الدفاع التركية إلى مدينة اللاذقية، حيث أجرى الوفد تقييماً فنياً للاحتياجات البحرية السورية، وبحث سبل تطوير القدرات والإمكانات المتاحة.
ويأتي البرنامج في سياق تعاون بحري بدأ يتوسع منذ عام 2025، عندما زار وفد من البحرية السورية تركيا في أيلول، وبحث مع قائد البحرية التركية آليات التنسيق والتعاون طويل الأمد في مجال الدفاع البحري. وشملت الزيارة مقر قيادة الأسطول في ولاية كوجالي والفرقاطة «TCG Kemalreis».
كما شهدت الفترة اللاحقة زيارات لسفن حربية تركية إلى ميناء اللاذقية، بينها السفينة «TCG Meltem» في 11 أيار، فيما رست السفينة «TCG Istanbul» في الميناء في 13 تموز، بعد تأجيل زيارتها لعدة أسابيع.
ومن شأن مشاركة المؤسسات والشركات التركية في أعمال الصيانة والتدريب والتحديث وبناء القطع البحرية أن تجعل التعاون مع أنقرة أحد العوامل المؤثرة في مسار تطوير البحرية السورية، خصوصاً مع ارتباط هذه المشاريع بالخبرات والصناعات الدفاعية التركية.
مدرسة تركية بمنهج تعليمي كامل في ريف دمشق
وفي المجال التعليمي، افتُتحت «مدرسة رجب طيب أردوغان التركية الدولية» في منطقة عرطوز بريف دمشق، في 4 تشرين الأول 2026، بعد تأهيل مبنى مدرسي قديم، ضمن مشاريع التعاون التعليمي بين البلدين.
وتعمل المدرسة تحت إشراف وزارة التربية الوطنية التركية، وتعتمد المنهج التركي بدلاً من المنهج السوري، وتضم مراحل التعليم من الروضة حتى الثانوية. كما تحتوي على 36 غرفة صفية، وتبلغ طاقتها الاستيعابية نحو ألف طالب.
وكان المشروع قد أُعلن في البداية باسم «المدرسة التركية الدولية في دمشق»، قبل إضافة اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إليه، قبيل امتحانات القبول التي أُجريت في 29 آب 2026.
وأُقيمت الاختبارات في كلية العلوم الإنسانية بجامعة دمشق في منطقة المزة، وشملت مواد اللغة التركية والرياضيات والعلوم، وفق نظام الامتحانات المعتمد في تركيا.
وبحسب إفادات عدد من الأهالي، فإن بعض العائلات المهتمة بتسجيل أبنائها عادت من تركيا بعد سقوط نظام الأسد، وكان أطفالها قد تلقوا تعليمهم في مدارس تركية خلال فترة إقامتهم هناك. وأشار هؤلاء إلى رغبتهم في توفير مستوى تعليمي يرونه مناسباً لأبنائهم، في ظل الظروف التي يواجهها القطاع التعليمي في سوريا، فيما يحمل بعض أفراد هذه العائلات الجنسية التركية.
وتبلغ رسوم التسجيل في المدرسة ألف دولار تُدفع مرة واحدة، إضافة إلى قسط سنوي قدره 500 دولار، بينما تتراوح كلفة النقل المدرسي السنوية بين 600 و800 دولار.
ورغم اعتماد المدرسة المنهج التركي، فإنها تلتزم بالزي المدرسي الموحد الذي توفره، كما تتوافق العطل المدرسية فيها مع العطل المعتمدة في سوريا.
تعاون تعليمي يتجاوز المدرسة الجديدة
ولا يقتصر التعاون التعليمي بين البلدين على المدرسة الجديدة، إذ يأتي المشروع ضمن مسار أوسع يشمل تأهيل مدارس متضررة وإنشاء مؤسسات تعليمية بالتنسيق مع السلطات السورية.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التربية التركية، في 4 نيسان 2026، زيارة وفد إلى سوريا لبحث مشاريع تعليمية مع مسؤولين سوريين، في إطار الجهود الرامية إلى توسيع التعاون في هذا القطاع.
كما يعود الدعم التعليمي التركي في سوريا إلى فترة ما قبل سقوط نظام الأسد، إذ تلقت بعض المؤسسات التعليمية في إدلب تمويلاً وتبرعات من جهات تركية، وفق تقارير سابقة تناولت طبيعة الدعم وآليات وصوله عبر معبر باب الهوى.
حضور تركي متعدد المسارات
ويبرز التعاون في المجالين البحري والتعليمي اتساع مجالات العلاقة بين أنقرة ودمشق، من خلال مشاريع تتصل ببناء القدرات العسكرية وتطوير المؤسسات التعليمية.
ففي المجال البحري، يرتبط تنفيذ برامج الصيانة والتدريب والتحديث بالخبرات والإمكانات التركية، بينما يفتح اعتماد المنهج التركي في مؤسسات تعليمية سورية المجال أمام تعزيز الروابط اللغوية والثقافية والتعليمية بين الجانبين.
وتبقى طبيعة هذا التعاون وآثاره على المدى الطويل مرتبطة بمدى استمرارية المشاريع، وآليات إدارتها، وحجم مشاركة المؤسسات السورية فيها، فضلاً عن انعكاساتها على استقلالية القطاعات المعنية وأولوياتها.




